عبد الله بن محمد البطليوسي
435
الإقتضاب في شرح أدب الكتاب
وهذا البيت من قصيدة قالها الراعي في عبد الملك بن مروان ، يشتكي فيها إليه عماله ، ويصف جورهم على الناس في أخذ الصدقة . وقبله « 1 » : أزرى بأموالنا قوم بعثتهم * بالعدل ما عدلوا فينا ولا قصدوا نعطي الزكاة فما يرضى خطيبهم * حتى نضاعف أضعافا لها عدد وأنشد ابن قتيبة « 2 » : [ من الوافر ] ( 21 ) وإن بني ربيعة بعد وهب كراعي البيت يحفظه فخانا البيت للنمر بن تولب العكلي ، وكان يلقب الكيّس بصناعة الشعر ، وكان أبو حاتم يقول : « النمر » بسكون الميم ، ويزعم أن العرب لا تقوله إلّا هكذا . وهذا الذي ذكره غير معروف . وقوله : بعد وهب يريد بعد خيانة وهب ، وليس يريد : « بعد هلاك وهب » ولو كان كذلك لكان [ 304 ] قد مدح وهبا ، وليس يمدحه ، إنما يذمّه . والمعنى : أن وهبا كان أوثقهم وأجدرهم بالأمانة ، فإذ قد خان وهب ، فهم أجدر بالخيانة ، والدليل على أنه يذمّ وهبا قوله قبل هذا البيت « 3 » : يريد خيانتي وهب وأرجو * من اللّه البراءة والأمانا فإنّ اللّه يعلمني ووهبا * ويعلم أن سنلقاه كلانا ويروى يحفظه بضم الياء : أي يؤتمن عليه ، يقال : حفظ الرجل الشيء وأحفظته إياه ، وهذا بيّن لا إشكال فيه . ويروى يحفظ بفتح الياء ، وفيه إشكال ، لأنّ الحافظ لا يخون ، فكيف وصفه بالحفظ والخيانة . والجواب عن هذا من وجهين : أحدهما : أن الفاء في كلام العرب إنما وضعت لتدل على أن ما بعدها يقع عقيب ما قبلها . فمعناه : يحفظه أولا ثم يعقب الحفظ بالخيانة . والثاني : أن يكون معنى يحفظه : يدّعي أنه يحفظه وهو يخون ، لأن العرب تنسب الفعل إلى من يدعيه ؛ كما تنسبه إلى من هو له بالحقيقة ، فإذا قلت : هذا ضارب زيدا ، جاز
--> ( 1 ) ديوان الراعي ص 64 . ( 2 ) البيت للنمر بن تولب في أدب الكاتب ص 35 ، وشرح الجواليقي ص 145 ، وديوانه ص 395 ، والمعاني الكبير ص 592 ، وتأويل مشكل القرآن ص 365 . ( 3 ) ديوانه ص 394 - 395 .